-->

آخر الأخبار

جاري تحميل ...

اخبار جهوية

اخبار وطنية

السلطة الرابعة



النساء بين الوعود الانتخابية وواقع المشاركة السياسية


.

النساء بين الوعود الانتخابية وواقع المشاركة السياسية

 

 الجمعة 28 غشت 2026

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود قضية المشاركة السياسية للنساء إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، بعدما أصبحت تمثيلية المرأة أحد العناوين البارزة في الخطاب السياسي وبرامج الأحزاب. فمع كل محطة انتخابية، تتجدد الوعود بتعزيز حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، وفتح المجال أمام الكفاءات النسائية للمساهمة في تدبير الشأن العام، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يظل: إلى أي حد تحولت هذه الوعود إلى ممارسة سياسية فعلية؟

 

خلال السنوات الماضية، عرف المغرب تطوراً ملحوظاً على مستوى الإطار الدستوري والمؤسساتي المرتبط بمشاركة المرأة في الحياة السياسية. فقد عزز دستور 2011 مبدأ المساواة، كما شهدت المنظومة الانتخابية إجراءات تهدف إلى رفع تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة، في سياق توجه رسمي نحو توسيع حضور المرأة في الحياة العامة. وتشير الخطابات الرسمية إلى أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة المغربية في مختلف المجالات، بما فيها المجال السياسي وتدبير الشأن العام.

 

لكن الانتقال من النصوص والوعود إلى واقع الممارسة لا يزال يطرح عدداً من الإشكالات. فوجود المرأة في المشهد السياسي لا يعني بالضرورة امتلاكها لمواقع التأثير وصناعة القرار. وفي كثير من الحالات، تتحول مشاركة النساء إلى هدف انتخابي ظرفي، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية، قبل أن يتراجع حضورهن بعد انتهاء الاستحقاق.

 

وتبرز الأحزاب السياسية في صلب هذه المعادلة، باعتبارها البوابة الأساسية للترشح والوصول إلى المؤسسات المنتخبة. فمسألة تمكين النساء لا ترتبط فقط بعدد المرشحات، وإنما أيضاً بالمواقع التي يتم منحها لهن داخل لوائح الترشيح، ومدى قدرتهن على المنافسة في الدوائر الانتخابية، إضافة إلى حضورهن في مواقع المسؤولية داخل الهياكل الحزبية.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإصلاحات الانتخابية الجديدة التي تسعى إلى تعزيز تمثيلية بعض الفئات داخل المؤسسة النيابية، غير أن بلوغ تمثيلية نسائية أكثر فعالية يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بقرارات الأحزاب السياسية واختياراتها في عملية التزكية وترتيب المرشحين. وقد أكدت المعطيات الرسمية أن الأحزاب تتحمل دوراً أساسياً في تمكين الفئات المستهدفة من الولوج إلى المؤسسة النيابية.

 

من الحضور الانتخابي إلى صناعة القرار

 

المشكلة لا تكمن فقط في وصول النساء إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة، وإنما في طبيعة الأدوار التي يضطلعن بها بعد الوصول. فالمشاركة السياسية الحقيقية تعني أن تكون المرأة حاضرة في مواقع القرار، وفي رئاسة اللجان، والهياكل الحزبية، والمجالس المنتخبة، وأن يكون لها تأثير فعلي في صياغة السياسات العمومية.

 

كما أن التعامل مع المرأة باعتبارها مجرد "رصيد انتخابي" أو وسيلة لاستقطاب الناخبات والناخبين، لا يمكن أن يحقق الهدف الحقيقي من التمكين السياسي. فالمرأة ليست فقط ناخبة تستهدفها الحملات الانتخابية، وليست مجرد صورة لتجميل اللوائح والبرامج، وإنما هي فاعل سياسي قادر على تقديم البدائل والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.

 

ومع اقتراب انتخابات 2026، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر، خصوصاً في ظل تأكيد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على ضرورة حضور النساء ضمن البرامج الانتخابية في وسائل الإعلام، إلى جانب الشباب ومغاربة العالم والأشخاص في وضعية إعاقة. ويعكس ذلك توجهاً نحو جعل التعددية السياسية أكثر شمولاً، وليس مجرد تنافس بين الأحزاب والمرشحين.

 

عوائق تتجاوز القانون

 

ورغم أهمية الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، فإن تعزيز المشاركة السياسية للنساء يتطلب معالجة مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية التي قد تحد من ولوجهن إلى مواقع القرار.

 

فالمنافسة الانتخابية تحتاج إلى موارد مالية وتنظيمية وشبكات تواصل وحضور ميداني، وهي عناصر قد لا تتوفر بالقدر نفسه لجميع المرشحات. كما أن بعض النساء يواجهن صعوبات مرتبطة بالصورة النمطية للمرأة في المجال السياسي، فضلاً عن الضغط الاجتماعي والتشكيك أحياناً في قدرتهن على تحمل المسؤوليات السياسية.

 

ويضاف إلى ذلك تحدي الحضور الإعلامي والرقمي. ففي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحملات الانتخابية، تحتاج المرشحة إلى امتلاك أدوات التواصل الحديثة، والقدرة على بناء خطاب سياسي مستقل، والتفاعل المباشر مع المواطنين، بعيداً عن الاقتصار على الظهور في الحملات التقليدية.

 

تمكين حقيقي لا موسمي

 

إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط على رفع عدد النساء المرشحات أو الفائزات، وإنما على بناء مسار سياسي يسمح للمرأة بالوصول إلى مواقع القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق، مع توفير الظروف التنظيمية والسياسية التي تساعدها على الاستمرار والتطور.

 

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في إعداد القيادات النسائية منذ وقت مبكر، وليس فقط البحث عن أسماء نسائية عند اقتراب الانتخابات. فتمكين المرأة سياسياً يبدأ من داخل التنظيمات الحزبية، عبر إشراكها في صناعة القرار، وتولي المسؤوليات، والمشاركة في صياغة البرامج والسياسات، ثم الانتقال إلى المنافسة الانتخابية.

 

كما أن المجتمع بدوره مطالب بإعادة النظر في النظرة إلى المرأة السياسية، وعدم اختزالها في أدوار اجتماعية تقليدية. فنجاح المشاركة النسائية لا يعتمد على المرأة وحدها، بل يحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية تتيح لها المنافسة على قدم المساواة.

 

انتخابات 2026.. اختبار جديد

 

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تبدو قضية المشاركة السياسية للنساء أمام اختبار جديد. فالمعيار الحقيقي لن يكون فقط عدد الوعود التي ستتضمنها البرامج الانتخابية، وإنما مدى انعكاس تلك الوعود على تركيبة اللوائح الانتخابية، وعلى حضور النساء في الحملات، وعلى فرص وصولهن إلى المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية.

 

وبينما تتنافس الأحزاب على استمالة الناخبين والناخبات، ستظل قضية المرأة واحدة من أبرز مؤشرات جدية الخطاب السياسي. فالمشاركة النسائية لا ينبغي أن تكون شعاراً موسمياً يظهر مع اقتراب موعد الاقتراع ثم يختفي بعد إعلان النتائج، بل مساراً متواصلاً يبدأ من داخل الأحزاب ويمتد إلى المؤسسات المنتخبة ومراكز صناعة القرار.

 

وفي نهاية المطاف، فإن تمكين المرأة سياسياً لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما بمدى قدرتها على التأثير، والمبادرة، وصناعة القرار والمساهمة في رسم مستقبل البلاد. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المشهد السياسي المغربي في أفق انتخابات 2026 وما بعدها.

Advertisement
.

إقرأ أيضا

الرياضة

عين على الفيسبوك

الاقتصاد

أخبار العالم

-->