الأوبئة وتغيير الأزمنة - جريدة العيون اون لاين -->

آخر الأخبار

جاري تحميل ...

اخبار جهوية

اخبار وطنية

السلطة الرابعة

lundi 20 avril 2020



الأوبئة وتغيير الأزمنة



د. عايض الزهراني

رصدت المصادر التاريخية ،تاريخ الاوبئة الطويل في العالم وفتكها بالملايين من حياة الأرواح البشرية ،ويعرف الفيلسوف الطبيب ابن سيناء الوباء (انه فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح وهو شديد العدوى وسريع الانتشار من مكان الى مكان )
تشكل الأوبئة الكارثية  تداعيات خطيرة  ونقطة تحول وتغير في تاريخ البشرية ومنعطف تحول مصيري في تاريخ المجتمعات وسقوط قوى عظمى مسيطرة ،وانحدار حضارات سائدة ،وارتقاء قوى أخرى صاعدة تشكل علامات فارقة ،تنقلها إلى مرحلة صنع الاحداث تاريخية
ويؤكد المؤرخ الفرنسي  لوران هنري فينيو  (‏أن الأوبئة نتاج مشترك بين الطبيعة والمجتمعات وإن انتشار وباء ما يشكل دوما امتحانا لمجتمع  وحقبة وأن الوباء يهدد الروابط الاجتماعية)
أثّرت الأوبئة على الحضارات منذ أول تفش معروف قبل الميلاد خلال الحرب
(بين أثينا وإسبرطة)،
ويوثق مؤرخ الرومان (كاسيوس ديو) تسجيل الوباء الأنطوني الذي اجتاح الإمبراطورية الرومانية، وعم أرجاء أوروبا، نتج عنه انهيارها وميلاد معتقدات وأفكار كانت نقطة تحول تاريخي اجتماعي أدت الى تلاشي نظام العبودية الذي رسختها الأنظمة القديمة واضمحلال المعتقد الوثني، ممهدا الطريق لحقبة ظهور الديانة المسيحية
وبعد عدة قرون شكل الوباء المليوني. جستنيان نسبة إلى الإمبراطور البيزنطي ملامح الزوال عندما اجتاح إمبراطورتيه في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقد أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا ، وتسبب بوفاة 40 و50 مليونا،
فكان سببا قويا عجّل بنهاية الإمبراطورية البيزنطية، وبداية ميلاد حقبة الحضارة الإسلامية
كما شهدت أوروبا  واسيا العديد من الأوبئة الكارثية وراح ضحيتها الملايين
واشهرها ما عرف باسم الطاعون الأسود وعُرف لاحقا بالموت الأسود في منتصف القرن الرابع عشر بأوروبا الذي أسفر عن مقتل نحو 20 مليون شخص.
الأوبئة تضع النظم الاجتماعية في مواجهة ضغوط حادة، من شأنها أن تكثف تناقضاتها الاجتماعية وتكشف حدودها السياسية والتاريخية.
وكانت تداعياته تبلور تيارات وتوجهات جديدة صاعدة تاريخيا، تسعى نحو تخطي حدود النظم الاجتماعية ومعالجة تناقضاتها، وتنطلق من قوى اجتماعية مهمشة وانتقلت أوروبا من عصور الظلام وسيطرة الكنيسة الى عصور النهضة.

يواصل وباء كورونا  انتشاره في العالم، وينقش بصمته على كل نواحي الحياة: فدول بأكملها شُلَّت وحدودٌ أُغلقت واقتصادات عالمية تباطأت وترنحت معاقل الدول الكبرى وفشلت صروح المنظمات الصحية عن إيقافه وقررت  الحكومات فرض حظر التجول وإغلاق الحدود وإلغاء التجمعات وتعليق الصلاة في المساجد ودور العبادة.

ورسم  الوباء ملامح أنماط للنظم الاجتماعية  والعادات والموروثات التقليدية في مواجهة ضغوط حادة، من شأنها أن تكثف تناقضاتها الاجتماعية وتبلور تيارات وتوجهات جديدة صاعدة تولد وتتكون، من رحم المشهد التاريخي العام الذي أطلقته الجائحة ،وتعمل على تأسيس طبقات اجتماعية جديدة
ويتساءل  المؤرخ الفيلسوف المغربي هل سيشكل وباء كرونا حلقة أخرى أيضا في سلسلة التحولات التاريخية التي تعصف بالعالم بطريقة دورية، وبالتالي يكون سببا في وخز نظام العولمة الذي وصف بأنه النظام العالمي الجديد الأوحد.

ومضة:
عمرو بن العاص :
"أيها الناس إن الطاعون كالنار المشتعلة وأنتم وقودها فتفرقوا وتجبلوا حتى لا تجد النار ما يشعلها فتنطفيء وحدها"

إقرأ أيضا

Aucun commentaire :

الرياضة

عين على الفيسبوك

الاقتصاد

أخبار العالم

-->